مركز الثقافة والمعارف القرآنية

487

علوم القرآن عند المفسرين

إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ « 1 » . فإعجاز القرآن من الجهتين الأولى والثانية متوجه إلى العرب ، إذ هو معجز لفصحائهم وخطبائهم وشعرائهم مباشرة ، ومعجز لعامتهم بواسطة إدراكهم ، إنّ عجز مقارعيه عن معارضته مع توفر الدواعي عليه هو برهان ساطع على أنه تجاوز طاقة جميعهم . ثم هو بذلك دليل على صدق المنزّل عليه لدى بقية البشر الذين بلغ إليهم صدى عجز العرب بلوغا لا يستطاع إنكاره لمعاصريه بتواتر الأخبار ، ولمن جاء بعدهم بشواهد التاريخ . فإعجازه للعرب الحاضرين دليل تفصيلي ، وإعجازه لغيرهم دليل إجمالى . ثم قد يشارك خاصة العرب في إدراك إعجازه كلّ من تعلم لغتهم ومارس بليغ كلامهم وآدابهم من أئمة البلاغة العربية في مختلف العصور ، وهذا معنى قول السكاكي في المفتاح مخاطبا للناظر في كتابه « متوسلا بذلك ( أي بمعرفة الخصائص البلاغية التي هو بصدد الكلام عليها إلى أن تتأنّق في وجه الإعجاز في التنزيل منتقلا مما أجمله عجز المتحدّين به عندك إلى التفصيل » . والقرآن معجز من الجهة الثالثة للبشر قاطبة إعجازا مستمرا على ممر العصور ، وهذا من جملة ما شمله قول أئمة الدين : إن القرآن هو المعجزة المستمرة على تعاقب السنين ، لأنه قد يدرك إعجازه العقلاء من غير الأمة العربية بواسطة ترجمة معانيه التشريعية والحكمية والعلمية والأخلاقية ، وهو دليل تفصيلي لأهل تلك المعاني ، وإجمالى لمن تبلغه شهادتهم بذلك . وهو من الجهة الرابعة - عند الذين اعتبروها زائدة على الجهات الثلاث - معجز لأهل عصر نزوله إعجازا تفصيليا ، ومعجز لمن يجيء بعدهم ممن يبلغه ذلك بسبب تواتر نقل القرآن ، وتعيّن صرف الآيات المشتملة على هذا الإخبار إلى ما أريد منها . هذا ملاك الإعجاز بحسب ما انتهى إليه استقراؤنا إجمالا ، ولنأخذ في شئ من تفصيل ذلك وتمثيله . فأما الجهة الأولى : فمرجعها إلى ما يسمّى بالطرف الأعلى من البلاغة والفصاحة ، وهو

--> ( 1 ) سورة النحل : الآية 103 .